أبو علي سينا
162
التعليقات
الوجود بذاته ، ومن أين حصل لنا هذا المعنى حتى نقول إن واجب الوجود بذاته هو اسم الأول ؟ - فالجواب : أنّا ندرك الأمور التي تتعلق في الوجود بغيرها من طريق الحسّ أو من وجه آخر ، فتكون دلالة واجب الوجود بذاته على الضد من المعنى الذي حصل في أذهاننا من الموجود بغيره . ومثل ذلك تصورنا الأشياء العدمية من الوجودية . ولذلك قد نرى أشياء كثيرة من غير أن نرى معها علتها أو سببها كالفلك ، فنتصور من ذلك في أذهاننا الوجود الذي لا سبب له . دلالة اللفظ على المعنى دلالة العسل المشاهد على حلاوته . وكما أن العسل أدرك حلاوته من أكله بحسّ الذوق ، ولونه بحسّ البصر ، ثم لما شاهده علم أنه حلو ، إلّا أن الحلاوة تأدّت إليه من حسّ البصر ، بل لما ارتسم في نفسه حلاوته ؛ فكذلك الألفاظ إذا سمعت أدرك مع سماعها معنى ، فارتسم في النفس المعنى . واللفظ معا . فكلما خطر بالبال ذلك المعنى أدرك اللفظ ، وكلما سمع ، ذلك اللفظ أدرك المعنى ، لا أن اللفظ هو ذلك المعنى ، بل هو مؤدّ إلى إدراكه . [ الوجود العقلي ] الوجود الصوري هو الوجود العقلي . ومعنى الوجود العقلي أنه إذا وجدت تلك الصورة لشئ صار ذلك الشئ عقلا بها ، وإذا وجدت الصورة بشيء صار عاقلا لها . فالأول أولى بأن يكون عقلا وعاقلا ومعقولا . [ الواجبات والاعتباريات ] الواجبات والأوليات واجبة بذاتها ، والاعتباريات ليست واجبة بذواتها ، بل يجب الشعور بها والتنبيه عليها . [ حقيقة الشعور بالذات ] الشعور بالذات لا يصحّ بآلة جسمانية ، فيجب أن يكون الشاعر بها والمشعور واحدا ، ويكون سببا أحديا مجردا ، ويجب أن يكون الشعور بالذات يدرك بالذات ، لا غيرها ، بل كلما فرضت أنك قد علمت ذاتك ، وأنه حصل لك علمك بذاتك بآلة من الآلات ، وجب أن يكون قد سبق علمك بذاتك ، فإنك ما لم تعرف ذاتك لم تعلم أن هذا الذي أدركته ذاتك ، كما أنك إذا لم تعرف شخصا ما بأحواله وصفاته وعلاماته فإذا شاهدته جمعت بينه وبين تلك الأحوال والصفات - لم يمكنك أن تقول : قد أدركته . [ طريق معرفة الواجب ] الطريق المسلوك إلى معرفة الباري هو أنا جئنا فقسّمنا الوجود إلى الواجب وغير الواجب ، ثم قسّمنا الواجب إلى ما هو بذاته ، وإلى ما هو ليس بذاته ، وقسمنا غير الواجب إلى ما هو غير واجب بذاته الذي هو الممتنع ، وإلى ما هو غير واجب لا بذاته ، وهو الممكن . وعرفنا خواصّ كل واحد من هذه الأقسام : بعضها بواسطة بعض ،